ابن بسام
322
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
إصلاح ذات البين ، والحصن في أثناء ذلك قد اشتدّ وثاقه ، وضاق خناقه ، حتى أيقن أهله بالهلكة ، وكادوا يلقون بأيديهم إلى التّهلكة ، فلما رأى أنه ربما أودى العليل قبل أن يؤتى الشفاء ، ويهلك المريض قبل أن يركّب الدواء ، وعلم أن الليث لا يقتبس إلّا زنده ، ولا يفترس إلّا وحده ، وفي كفّه أنصاره ، وفي شدقه شفرته وناره ، أقام للزحف أعلامه ، وجعل الحزم أمامه ، فنصر بالرعب ، وفرّ عدوّه قبل الحرب . / وفي فصل منها : وحسبنا أن يكون من أصحاب المشأمة ، فتواصينا بالصّبر والمرحمة [ 1 ] ، وتذكّرنا قوله تعالى : وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ( الواقعة : 90 ، 91 ) فأخذنا يمنة الطريق ، وتيمّمنا أوريولة على الفجّ العميق ، فإذا بصماء [ 2 ] منه قد انكدرت فأمطرت علينا حجارة من سجيل ، كادت تجعلنا [ 116 ب ] كعصف مأكول [ 3 ] ، فقوم شدخت رؤوسهم ، وقوم ضمّت عليهم رموسهم ، كأنهم كانوا بقية من أصحاب الفيل ، أو نفاية من قوم لوط . فجئنا فلانة ، وقد سدّ بابها ، ونام بوّابها ، والسّيل قد طمى ، يحمل غثاء أحوى ، فلم تشكّ القلوب [ 4 ] أنّ نفوسنا ذائقة الموت ، حتى إذا بلغت النفوس التراق ، والتفت الساق بالساق ، وقيل من راق [ 5 ] ، وأشعر صاحب الحصن بمكاني ، وقصّ عليه شأني ، فأمر بفتح باب المدينة ، وآواني إلى دار حصينة ، وتقدّم بالضرام فأجّج ، وبالطعام فرّوج ، وبالمدام فشبّ وأسرج ، وقلنا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ( فاطر : 34 ) وكفانا المحن . وفي فصل منها : ثم نفذت لطيّتي ، وقرنت بالعمل نيتي [ 6 ] ، في هواء سجسج ، وأفق متبلّج ، حتى جئت المريّة [ 7 ] ، وكان عهدي بها / عهد طيف الكرى ، بما بين العقيق إلى الحمى [ 8 ] ، إن سرى أصبح دونه بمراحل ، أو هفا قطع [ 9 ] المدى
--> [ 1 ] انظر الآية 17 من سورة البلد . [ 2 ] ب م : بصمار . [ 3 ] انظر الآية 4 ، 5 من سورة الفيل . [ 4 ] ط د س : فلم نشك في . [ 5 ] انظر الآيات 26 ، 27 ، 29 من سورة القيامة . [ 6 ] د ط س : العمل بنيتي . [ 7 ] ب م : المدينة . [ 8 ] د ط س : الكدا . [ 9 ] ب م : قطعه .